اللوغاريتم إياه

ذات يوم و بعد إلحاح شديد من والدى لكى ازور عمى المحامى المتقاعد و المريض جدا أيضا ! و لم يكن ذلك الإلحاح متعلقا بعمى أو بحالته الصحية انما لكى أرى بنت عم "فلان" ذلك الرجل المتواضع الذى كان يخدم عمى فى مرضه رغبه منهم فى أن يزوجونى و ينتهوا من ذلك العبء الثقيل و مع أن ذلك الرجل لم يكن خادما انما كان يرعي عمى خدمه منه و إحسانا إلا إننى لم أكن أحبه و لم أكن انتوى ابدا أن يكون مثل ذلك الرجل حما لى فمثل هذه العلاقات التكافليه لا تنطوى ابدا على خير لوجه الله كما أنه كان رجلا عفويا لدرجه تثير الاشمئزاز على الاقل بالنسبه لي و رغم اننى لم أكن متكبرا ابدا أو متعاليا على العكس ربما سبب لي تواضعى دائما الكثير من الضيق و الإزعاج أحيانا فالناس هنا يخلطون بين التواضع و قله الإحترام إلا اننى افصل تماما بين أن تكون فقيرا و أن تكون بسيطا و ان تكون جاهلا و ان تكون عاميا أو غوغائيا فأنا فقير و بسيط و ربما بسيط جدا إلا اننى إلى حد كبير لست بجاهل أو كذلك اعتقد كما اننى لست غوغائيا على ما أظن ولا احب هؤلاء الغوغاء ابدا و أكره العشوائيه بكل أشكالها عشوائيه الكلام و الفكر و الحياه أكره العشوائيه و أعشق النظام و الرقي و التحضر لهذا دائما ما كنت أتمنى أن تكون زوجتى بنت أصول و لا أعنى بذلك بنت ذوات أو بنت أغنياء انما أعنى أن تكون ولدت و نشات فى أسره تعرف الأصول و تحترم العقل و الأخلاق أتمنى أن يكون لها أب مثقف مستنير عاقل و حكيم حتى و لو لم يكن متعلما!

المهم اننى بعد كل ذلك الإلحاح وافقت أن أقوم بتلك الزياره و فى الطريق و بينما نحن نستقل المينى باص إياه فى وسط النهار و الزحام المعتاد و السيدات البدينات ربات البيوت ال "بلدى" ال "شراشيح" عاده أو قل دائما و إذا باحداهن تصيح منفجره تشكو من غلاء الاسعار حيث كان ذلك اليوم صبيحه رفع سعر تذكره المترو من اثنين جنيه الى سبعه جنيهات دفعه واحده و لم يكن ذلك أول الضربات بل كان كان ذلك الخبر تابعا لسلسله من الضربات الاقتصاديه الطاحنه التى فتكت بجيب المواطن المعدوم بل و المستور و ربما الميسور أيضا و فجاءه و بعد أكثر من خمسه أعوام من الصمت إذا بالمينى باص يتحول إلى "سويقه" حيث على صوت النساء بالصياح و العويل و الثرثره حتى كاد رأسي أن ينفجر كل ذلك وسط حاله خرس رهيب من الرجال فقط اهلكتهم الحياه و اذهبت قواهم بين كفي الرحا القمع و القهر من ناحيه و اللهاث خلف لقمه العيش من الناحيه الأخرى.

فى الطريق و بعد تلك المعركه مررنا بالمقابر مقابر الإمام و هناك تذكرت الدار الاخره و تذكرت أيضا أن هناك أناسا تعيش حياه الكلاب بل ربما الكلاب افضل حالا منهم و بعد أكثر من ساعتين و نصف فى مسافه لا تتجاوز الخمسه عشر كيلو متر وصنا أخيرا لبيت عمى و مكتبه في نفس الوقت ذلك المكتب القديم فى الطابق الأرضي من ذلك العقار المتهالك بحى الإمام الشافعى حيث كان الباب موصدا و النور منطفئ طرق والدى الباب عده طرقات ثم دفعه مره واحده ففتح فقد كان مفتوحا و هناك وجدنا عمى المحامى المتقاعد كبير السن جالسا أمام التلفاز فى حاله يرثي لها فقد أهلكه المرض و قله العنايه جلسنا معه ثم حضر ذلك الرجل إياه و وضع لنا الطعام فلم تطاوعنى نفسي أن آكل من ذلك الطعام القمئ و تحسرت على عمى كيف يأكل يوميا من يد ذلك الرجل ثم قام بعمل الشاى و لم يكن الشاى بأحسن حالا من الطعام فقد كانت الأكواب قذره للغايه فلم أستطع أن أكمل الكوب دخلت إلى دوره المياه فلم أجد ما يسرنى و على هذا الحال تحسرت كثيرا على حاله و أحسست بأن منزلنا المتواضع الذى لم أكن اطيقه و طالما رأيته مقلبا للنفايات جنه بالنسبه لمنزل عمى المهترئ عندها حمدت الله على النعمه التى لم اقدرها يوما و بعدها طلب والدى من ذلك الرجل أن نذهب إلى منزله لنرى بنته و لكنه تعلل بأن الفتاه منشغله قليلا اليوم فحمدت الله ثانيه ! و بعدها جاءت الاستاذه المحاميه جاره عمى لزيارته و اثير الموضوع من جديد ثم بدأوا يتناقشون فى مساله زواجى و أخذ كل منهم يدلى بدلوه فى هذه القضيه بينما ظللت أنظر إليهم ذات النظره العابسه دون أن انطق ببنت شفة و كلما وجه احدهم الحديث إلى جاوبته بنفس الابتسامه الصفراء و انا أتعجب من هؤلاء السذج الذين يحاولون حل مشكلتى التى طالما ارقتنى و يحاولون حل اللوغاريتم عدا على الأصابع ! و عندما انتهت تلك المهاترات الفارغه قرر والدى الرحيل و فى طريق العودة مررنا بذات القبور و هنا وجدت أن عمى افضل حالا من هؤلاء ساكنى القبور على الاقل الأحياء منهم !

تعليقات

  1. الحمد لله علي نعمه التي لا تعد ولا تحصي. فعلا الإنسان لا يشعر بقدر ما هو فيه من نعم إلا بعد زوالها أو رؤية من هو أقل حالا منه في المعيشة . اللهم أدم علينا نعمك وزدنا منها يا حي يا قيوم واجعلنا من الشاكرين. قصة رائعة وأسلوب ممتاز أخي مصطفي. في انتظار المزيد إن شاء الله.

    ردحذف
  2. كمل .بجد الاسلوب جميل جدا

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يوميات ‏فار ‏فى ‏طاحونه ‏الهوا

إنت ‏عايش ‏ليه؟! ‏